بينما تنشغل الصالونات السياسية في تحليل موازين القوى الدولية، يبدو أن الساحة اللبنانية دخلت نفقاً هو الأخطر منذ سنوات. فالمشهد لم يعد مجرد مناوشات حدودية، بل تحول إلى سباق مع الزمن بين تحركات عسكرية مدعومة دولياً، وتحركات دبلوماسية إقليمية تثير الريبة في توقيتها وشكلها.
تتقاطع التقارير الواردة لترسم صورة قاتمة، حيث كشفت مصادر مطلعة عن حصول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على ما يشبه الضوء أخضر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فالهدف المعلن واضح وصريح، الا وهو القيام بعملية عسكرية محدودة في نطاقها، لكنها جراحية في أهدافها، ترتكز أساساً على تفكيك الترسانة العسكرية للحزب شمال الليطاني. هذا التطور يضع لبنان أمام واقع ميداني جديد، تتلاشى فيه الوعود الدبلوماسية التقليدية أمام طبول الحرب التي بدأت تُقرع فعلياً.
ففي غضون هذا الغليان، وصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت. لكن الزيارة لم تمر مرور الكرام، فالتوقيت وشكل الزيارة طرحا تساؤلات حادة حول السيادة الوطنية، حيث اعتبر مراقبون أن أسلوب الزيارة يمثل تجاوزاً فجاً للبروتوكول الدبلوماسي المتعارف عليه بين الدول. فهذا الحضور الإيراني المكثف في لحظة التأزم، يوحي بأن القرار اللبناني بات مسلوباً لصالح صراعات المحاور، مما يزيد من تعقيد المشهد أمام المجتمع الدولي.
لكن الوجه الآخر للأزمة ليس عسكرياً فحسب، بل هو مالي بامتياز. فمع إغلاق المسارات المصرفية الدولية بفعل العقوبات، تبرز إلى الواجهة أزمة تهريب أموال الكاش. وهنا يبرز السؤال الأهم:، هل تُستخدم الحصانات الدبلوماسية كغطاء لتمرير الأموال بعيداً عن الرقابة؟
فبالتالي استمرار الدولة في سياسة غض الطرف عن مصادر التمويل والمسارات غير الشرعية للأموال، لم يعد مجرد قضية فساد أو ترهل إداري، بل تحول إلى لغم قد ينفجر في وجه الجميع. حيث أن هذه الأموال قد تُتخذ ذريعة وشيكة لتبرير أي عمل عسكري قادم تحت حجة تجفيف منابع الإرهاب، وهو ما قد يمنح العمليات العسكرية غطاءً دولياً يصعب صده. لبنان اليوم يقف في غرفة انتظار لم تعد آمنة، والخيارات تضيق يوماً بعد يوم. فاستمرار التخبط بين خروقات الدبلوماسية الإقليمية والتهديدات العسكرية الدولية، يضع الدولة اللبنانية أمام اختبار أخير، فإما استعادة هيبة البروتوكول والرقابة المالية الصارمة، او الانزلاق نحو مواجهة باتت ملامحها مرسومة بضوء أخضر خارجي وصمت داخلي مريب.